|
في
بداية رحلاتهم البحرية تمكن البحارة من حساب
خط العرض بواسطة النظر إلى النجوم. وعرفوا كيف
يستفيدون من الرياح الموسمية في رحلاتهم. فقد
كانت الريح الموسمية الجنوبية الغربية تأخذهم
إلى الهند، في حين كانت الرياح الموسمية
الشمالية الشرقية تأخذهم إلى أفريقيا. وكانت
الأشرعة المثلثة تمنحهم السرعة وتتيح لهم
الإبحار في الأوقات التي تكون فيها الريح
خفيفة. وقد استفاد بحارة الخليج من المعرفة
العلمية التي كان يمتاز بها الاخمينيون
والساسانيون والعباسيون، الذين قدموا للعالم
أول البحوث العلمية في علم الملاحة ورسموا أول
الخرائط البحرية.
عقب دمار سد مأرب في اليمن في القرن الثاني أو
الثالث الميلادي بدأت واحدة من أكبر الهجرات
في شبه الجزيرة العربية. وبوصول مالك بن فهم
إلى عمان تلقت السيطرة الساسانية ضربة قاسية
في عمان. وصل مالك بن فهم إلى عمان بصحبة ستة
آلاف رجل من قبيلة أزد. وكان ابنه "هونات"
قائد طليعة الجيش، وكان أيضا مسئولا عن إرسال
رسالة إلى الوالي الفارسي في صحار يطلب منه
فيها منحهم قطعة من الأرض لكي يستوطنوا في
عمان التي كانت تعرف آنذاك باسم " مزون". لكن
الوالي رفض طلبه ما أدى إلى مواجهة بين
الجيشين في نزوى. وانتهت المعركة بعراك
بالأيدي ما بين الوالي ومالك أسفرت عن فوز
مالك واستيطانه في قلهات على شاطئ الشرقية وفي
جعلان. بعدها انسحب الفرس إلى صحار وتركوا
سيادة المنطقة الداخلية، الجبال والصحراء
للازديين الذين هم الأجداد الحقيقيون للشعب
العماني الحالي. وكان حاكمهم يدعي الجلندي .
واصبح هذا الاسم هو اسم عائلة الحكام الأزديين.
وفي سنة 630، تلقي الأزديون رسالة من النبي
محمد صلي الله عليه وسلم يدعوهم فيها إلى قبول
الإسلام دينا فقبلوا. وقد أدى اعتناقهم
للإسلام إلى طبع تلك الفترة بطابع إسلامي
حينما استعادت عمان استقلالها.
لعبت عمان دورا بارزا في نشر الدين الإسلامي
في الخليج، والمحيط الهندي، وإفريقيا. وقد
استوطن عدد كبير من التجار العمانيين في "
بصورة" (ميناء البصرة)، وهو ميناء بناءه
الخلفاء العباسيون عند مصب نهري دجلة والفرات
لجلب المواد والتجهيزات إلى بغداد، وقد سيطر
الأزديون على هذا الميناء في نهاية القرن
السابع الميلادي . لقد أبحر العرب عبر جميع
الطرق البحرية العظيمة، وكان البحار العماني،
عبد الله بن القاسم، هو أول من أبحر إلى الصين
سنة 750 ميلادية على متن سفينته التي تدعي "
صحار" .
كانت مدينة صحار مركزا تجاريا للكثير من دول
العالم. فقد كانت السفن تلقي بمراسيها في صحار
أثناء سفرها من " البصرة" إلى شبه القارة
الهندية أو إندونيسيا، وكذلك الحال في طريق
عودتها. وقد أدي ثراء صحار إلى إثارة غيرة
الأعداء وحسدهم مما أسفر عن شن العديد من
الغزوات عليها. وقد تم تدمير صحار على يد
الفرس في نهاية القرن العاشر الميلادي. أما
قلهات، التي أدي موقعها الهام إلى مدخل الخليج
إلى جذب اهتمام الفرس، فقد أصبحت العاصمة
الثانية لهرمز. وكان يحكم قلهات وزير نيابة عن
ملك هرمز. ولم يبق من قلهات العريقة سوي بقايا
الأضرحة وقبر السيدة مريم إضافة إلى بقايا
المنازل، والأحواض المائية، والشوارع، ومباني
المرافئ، وبقايا بعض الأواني الخزفية الصينية
والفارسية.
ولحسن الحظ، فقد توقف كل من الرحالة ماركو
بولو وابن بطوطة في قلهات أثناء ترحالهم، وترك
لنا كل منهما وصفا عنها : أنها مدينة عريقة.
وسكانها من العرب، وهم تابعون لهرمز. وحينما
كان ملك هرمز يحارب أحد الأمراء الأقوى منه،
كان يلجأ إلى هذه المدينة لأنها قوية جدا سواء
من حيث موقعها أو من حيث تحصيناتها. المزارعون
لا يزرعون الذرة هنا، بل يجلبونها من الخارج،
فكل سفينة تجارية تأتى إليها تحضر معها بعض
الذرة. أما المرفأ هنا فهو كبير، وجيد، ونشط
حيث ترسو فيه الكثير من السفن القادمة من
الهند. ومن هذه المدينة يتم توزيع التوابل
وغيرها من البضائع إلى المدن والقرى الداخلية.
كما انهم يصدرون العديد من الخيول العربية إلى
الهند (ماركو بولو، نهاية القرن الثالث عشر
الميلادي). |